ومن خلال فحص الوثائق المسربة من بنك بارسيان، التي تغطي الفترة من نوفمبر 2022 إلى يونيو 2023، توصلت "إيران إنترناشيونال" إلى أن البنك المركزي الإيراني ومؤسسات مالية أخرى استخدمت "صرافة بارسيان" لتسهيل عمليات الدفع.
وتُظهر المراسلات الداخلية للبنك أن هذه المعاملات شملت عدة طبقات من البنوك والشركات والأفراد الإيرانيين والأجانب.
ويُعرّف بنك "بارسيان" رسميًا بأنه بنك خاص وغير حكومي. وفي عام 2018، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على البنك، في إطار إجراء استهدف شبكة من الشركات التي توفر التمويل لقوات "الباسيج" شبه العسكرية.
وتُظهر مراجعة مراسلات صرافة "بارسيان" أنه بعد أربع سنوات من فرض العقوبات، واصل بنك "بارسيان" تنفيذ المدفوعات الدولية عبر قنوات متعددة الطبقات.
وتوضح المعاملات المسجلة في هذه الوثائق آلية الالتفاف على العقوبات: إذ كان مستورد، مثل شركة "إيران خودرو" لصناعة السيارات، يطلب من البنك المركزي الإيراني توفير العملة الأجنبية لتسديد قيمة مستحقات لبائع أجنبي. وكان البنك المركزي يبيع العملة المطلوبة إلى بنك "بارسيان". ثم تُحتفظ بهذه الأموال في حساب لدى بنك آخر داخل إيران، يعود إلى شخص أو شركة أخرى، ويُشار إلى هذا الطرف في الوثائق باسم "التراستي" (الأمين).
وكانت العملات الأجنبية التي يجري تحويلها في الواقع عائدات صادرات النفط والبتروكيماويات والصادرات غير النفطية الموجودة في حسابات أطراف "تراستي" خارج البلاد.
وبأمر من بنك "بارسيان"، كانت صرافة "بارسيان" تنفذ عملية تحويل العملات الموجودة في حسابات "التراستي" إلى حساب مصرفي خارج إيران يحدده المستورد. لكن عملية تحويل هذه الأموال لم تكن تتم من جانب النظام الإيراني أو البنوك الخاضعة للعقوبات أو البنك المركزي، بل من خلال شركة تبدو خاصة، بمشاركة صرافة "بارسيان".
وهو أسلوب أدت فيه هندسة تدفق الأموال من جانب صرافة "بارسيان" إلى محو آثار حركة الأموال بشكل كبير.
وكانت العديد من حسابات المستفيدين التي جرى تحديدها في الوثائق موجودة لدى بنوك في الإمارات العربية المتحدة والصين وهونغ كونغ.
وكان هذا النظام يعقد العلاقة بين المؤسسة الإيرانية التي تطلب العملة والجهة التي تتلقى الأموال في الخارج، ويجعلها متعددة الطبقات، بما يصعّب تحديد مصدر الأموال. وبهذه الطريقة، كانت المعاملات التي يعود مصدرها إلى البنك المركزي الإيراني تُسجّل في نهاية المطاف باعتبارها تحويلات بين أفراد أو شركات خاصة، وليس مدفوعات مباشرة من جانب إيران.
ولم تقتصر جهود "بارسيان" للالتفاف على العقوبات على هذه الحالات. ففي أغسطس (آب) 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن بنك "بارسيان" كان يمتلك سراً بنك "سايروس" الخارجي، وأنه استخدمه في عام 2021 لتحويل عائدات النفط الإيرانية إلى الحرس الثوري.
ولم تعثر "إيران إنترناشيونال" على أي دليل يشير إلى أن البنوك في الإمارات العربية المتحدة والصين كانت على علم بأنها تساعد إيران في الالتفاف على العقوبات الأميركية.
ولم يرد بنك "بارسيان" ولا صرافة "بارسيان" على طلبات "إيران إنترناشيونال" للتعليق.
الأشخاص المشاركون في صرافة "بارسيان" والمراسلات
صرافة "بارسيان" تابعة لبنك "بارسيان"؛ إذ يمتلك البنك مباشرة 90 في المائة من أسهمها، فيما يمتلك نحو 10 في المائة أخرى بصورة غير مباشرة من خلال مجموعة "بارسيان" المالية، الذراع الاستثمارية للبنك.
وحددت "إيران إنترناشيونال" في الوثائق المسربة 33 رسالة تُظهر عملية تحويل الدرهم واليوان والدولار عبر بنك "بارسيان" وصرافته، ومن خلال بنوك أخرى.
وتحمل جميع الرسائل تقريبًا توقيع مدير الشؤون الدولية في بنك "بارسيان"، علي رضا علائي، وقد انضم إلى مجلس إدارة الصرافة في فبراير (شباط) 2020 نائبًا لرئيس مجلس الإدارة، ومنذ أغسطس 2020 يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة.
وكانت العديد من الرسائل موجهة إلى المدير التنفيذي لصرافة "بارسيان"، رسول صالحي إسكويي، ووفقًا للسجلات الرسمية، انضم إلى مجلس الإدارة في مارس (آذار) 2018. ومنذ فبراير (شباط) 2020، يشغل منصبي نائب رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لصرافة "بارسيان".
ولصالحي إسكويي أيضًا خبرة سابقة في صرافة تابعة لبنك آخر. فقبل أكثر من 12 عامًا من انضمامه إلى صرافة بنك "بارسيان"، كان عضوًا في مجلس إدارة صرافة "سبهر" التابعة لبنك صادرات، وذلك من فبراير (شباط) 2006 إلى يونيو 2008.
أمر "التسوية"
تتبع الرسائل نمطًا موحدًا؛ إذ كان علائي، من إدارة الشؤون الدولية في بنك "بارسيان"، يرسل رسالة إلى إدارة الشؤون الدولية في أحد البنوك الإيرانية الأخرى، ومنها بنوك سامان، ومدينة، واقتصاد نوين، والسياحة، وملّي، وملت، وجميعها أيضًا خاضعة للعقوبات الأميركية.
وكانت هذه الرسائل تُرسل عادةً بعد نحو عشرة أيام من شراء البنوك العملة الأجنبية من البنك المركزي. وتذكر رسائل بنك "بارسيان" إلى البنوك الأخرى أن مبلغًا من العملة الأجنبية "تم شراؤه من البنك المركزي" وأنه "محتفظ به في حساب تراستي" لدى البنك الآخر.
وهنا تدخل صرافة "بارسيان" على الخط. إذ كان بنك "بارسيان" يطلب من البنك الآخر أن تتم "تسوية" الأموال عبر شركة صرافة "بارسيان". ويُستخدم مصطلح "التسوية" في شركات الصرافة للإشارة إلى عملية إرسال الأموال، إلى أن تصل إلى المستفيد النهائي.
وفي خانة موضوع كل رسالة، كانت الأموال توصف بأنها "أموال ذات منشأ نيابي"، أي أن الأموال تخرج من إيران باعتبارها أموال شخص خاص، وليس أموال الحكومة.
وفي مارس 2023، أرسل علائي رسالة إلى نائب مدير الشؤون الدولية في بنك السياحة، طلب فيها تحويل 990 ألف دولار من حساب "تراستي" التابع لبنك السياحة إلى حساب شركة SEALION GENERAL TRADING. وتُظهر مراجعة الوثائق العامة أن هذه الشركة كانت تنشط في هونغ كونغ.
وفي مايو (آيار) 2023، طلب علائي من نظيره في بنك السياحة تحويل 750 ألف دولار إلى حساب شركة SAHERI TRADING LIMITED، التي كانت تنشط في هونغ كونغ.
صرافات البنوك
يوجد حاليًا في إيران أكثر من 500 شركة صرافة مرخصة ومسجلة، من بينها 28 صرافة مملوكة للبنوك.
وبدأت البنوك في إيران تأسيس شركات الصرافة قبل أكثر من عقدين. وحدثت الموجة الأولى خلال عامي 2004 و2005، عندما أسست 10 بنوك شركات صرافة.
وكانت صرافة "سبهر"، التابعة لبنك صادرات، أول شركة صرافة يؤسسها القطاع المصرفي الإيراني. وبعد أسبوعين من تأسيس "سبهر"، تأسست صرافة بنك "بارسيان" في 8 أغسطس 2004.
وأما الموجة الثانية فكانت بين عامي 2007 و2013؛ حيث تأسست خلال هذه السنوات الست 13 صرافة مصرفية. ومنذ عام 2014 وحتى الآن، أسست ثلاثة بنوك ومؤسسة مالية واحدة فقط شركات صرافة.
ويمتلك 24 بنكًا ومؤسسة مالية واحدة في إيران شركات صرافة. ويمتلك بنك "سبِه" ثلاث شركات صرافة منفصلة؛ اثنتان منها، وهما صرافة "أنصار" للخدمات المصرفية والعملة وصرافة "حكمت إيرانيان"، كانتا تابعتين، على التوالي، لبنكي "أنصار"، التابع للحرس الثوري، و"حكمت"، التابع للجيش الإيراني، قبل أن تتحولا بعد اندماج البنكين في بنك "سبِه" إلى شركات تابعة له. أما صرافة بنك سبِه الأخرى فتُعرف باسم "صرافة أميد سبِه".
كما يدير بنك ملّي "صرافة ملّي". وبعد حل بنك "آينده"، أصبحت "صرافة آينده"، التابعة لبنك آينده، تلقائيًا شركة تابعة لبنك ملّي.
الإيرادات التشغيلية السنوية لشركات الصرافة التابعة للبنوك في إيران
وفقًا لأحدث قوائم مالية لكل شركة صرافة، بعد تعديلها وفق الأسعار الثابتة لشهر سبتمبر (أيلول) 2026، وبحسب معدل التضخم الرسمي الصادر عن مركز الإحصاء الإيراني
ومن حيث الإيرادات التشغيلية، تحتل صرافة "بارسيان" المرتبة الثانية بين شركات الصرافة المصرفية الـ 28.
وبلغت الإيرادات التشغيلية السنوية لـ"صرافة ملّي"، التابعة لبنك ملّي، 125.3 ألف مليار تومان بالأسعار الثابتة لشهر سبتمبر 2026.
وجاءت صرافة "بارسيان" في المرتبة الثانية بإيرادات بلغت 116.8 ألف مليار تومان، تلتها "صرافة أميد سبِه"، التابعة لبنك سبِه، في المرتبة الثالثة بإيرادات بلغت 112.9 ألف مليار تومان.
مسار العقوبات المفروضة على شركات الصرافة
لم يُدرج اسم صرافة "بارسيان" قط بصورة مباشرة على قائمة العقوبات الأميركية. إلا أنه، وفقًا للوائح الأميركية، فإن أي شركة تملك جهة خاضعة للعقوبات 50 في المائة أو أكثر من أسهمها، تخضع تلقائيًا للعقوبات نفسها؛ ومِن ثمّ فإن الأشخاص والشركات الأميركية ممنوعون أصلاً من التعامل مع صرافة "بارسيان".
ولم تفرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات مباشرة على صرافة "بارسيان" نفسها. إلا أنها فرضت في أبريل (نيسان) 2026 عقوبات على شركة وصفتها بأنها "الجهة المديرة" لبنك "بارسيان"، وهي شركة خاصة كانت تدير المدفوعات الخارجية للبنك. كما فرضت في يوليو (تموز) 2026 عقوبات على شركة صرافة قالت وزارة الخزانة إنها كانت مرتبطة بعقد مع بنك "بارسيان".
وتعود أول عقوبة أميركية على صرافة تابعة لأحد البنوك إلى نوفمبر 2008، عندما فُرضت العقوبات على صرافة بنك تنمية الصادرات.
ولم تُفرض أي عقوبات جديدة على شركات الصرافة لنحو عشر سنوات، إلى أن بدأت في مايو 2018 موجة العقوبات على شركات الصرافة داخل إيران. وحتى سبتمبر 2026، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ما مجموعه 22 شركة صرافة مقرها إيران، من بينها ست صرافات مصرفية هي: صرافة بنك تنمية الصادرات، وصرافة بنك دي، وصرافة بنك سينا، وصرافة حكمت إيرانيان، وصرافة أنصار، وصرافة أميد، وهي جميعًا تابعة لبنك سبِه في الحالات الثلاث الأخيرة.
وبعد ثلاث سنوات من تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة، وتحديدًا في 25 يونيو 2024، فُرضت عقوبات على صرافة حكمت إيرانيان التابعة لبنك "حكمت"، المرتبط بالجيش الإيراني، وصرافة أميد التابعة لبنك سبِه، وصرافة صدف، وصرافة سياوش نوريان، وصرافة أتروبارس. وكانت هذه أكبر موجة من العقوبات على شركات الصرافة منذ انتهاء ولاية ترامب وحتى ذلك الوقت.
ومع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، بدأت منذ شتاء 2025 موجة جديدة من العقوبات على شركات الصرافة، وفُرضت خلال أقل من عامين عقوبات على 11 شركة صرافة إضافية حتى سبتمبر 2026.
صرافة "بارسيان" منذ تأسيسها وحتى الآن
تأسست صرافة "بارسيان" عام 2004 على يد علي رضا طلوع كاشف باكدل، حسين علائي، علي رضا بلغوري، وبهروز صديق نيكجو.
وفي يناير (كانون الثاني) 2010، دخلت مجموعة بنك "بارسيان" بصورة مباشرة وغير مباشرة، ومن خلال كيانات قانونية، إلى مجلس إدارة صرافة "بارسيان". وفي ذلك الوقت، سيطرت شركات بنك "بارسيان"، و"ليزينغ بارسيان"، والتجارة الإلكترونية لـ "بارسيان"، على مجلس إدارة الصرافة.
ويُظهر فحص السجلات المهنية للمديرين السابقين والحاليين الذين أداروا صرافة "بارسيان" نمطًا من العلاقات التي تربطهم ببنك "بارسيان" وشركاته التابعة، وبنوك أخرى مماثلة، و"الستاد التنفيذي لأمر الإمام".
وتُعد "مؤسسة تنفيذ أمر الإمام" من أقدم المراكز الاقتصادية التابعة لمؤسسة المرشد في إيران. وقد تحولت، في السنوات الأولى للنظام الإيراني، من خلال الاستيلاء على ممتلكات الأثرياء والمصادرات، إلى واحدة من أغنى المؤسسات الاقتصادية في البلاد. وتخضع هذه المؤسسة مباشرة لإشراف المرشد الإيراني.
علائي
علائي، الذي وقّع رسائل صرافة "بارسيان"، دخل مجلس الإدارة في فبراير 2020 ممثلاً عن شركة "تأمين أنديش بارس"، إحدى الشركات التابعة لبنك "بارسيان"، ولا يزال عضوًا في مجلس الإدارة حتى الآن.
ومنذ يوليو 2015، كان علائي عضوًا في مجلس إدارة شركة "بارسيس كيش" ممثلًا عن شركة تأمين "بارسيان". وهي شركة تابعة لبنك "بارسيان"، جرى حلها في يناير 2024.
صالحي إسكويي
لدى صالحي إسكويي أيضًا سجل من العمل في شركة صرافة تابعة لبنك آخر. فقبل أكثر من 12 عامًا من انضمامه إلى صرافة بنك "بارسيان"، كان عضوًا في مجلس إدارة صرافة "سبهر" التابعة لبنك صادرات، وذلك من فبراير 2006 إلى يونيو 2008.
حسام شمس عالم
حسام شمس عالم، الذي كان عضوًا في مجلس إدارة الصرافة من يناير 2010 إلى فبراير 2014، لديه أيضًا سجل سابق في مجلس إدارة بنك "بارسيان".
وفي عام 2013، أصبح ممثلاً عن شركة "توسعه صنعت ومعدن تدبير"، إحدى الشركات الاقتصادية التابعة لـ "مؤسسة تنفيذي أمر الإمام" والمرتبطة بالمرشد الإيراني، وعضوًا في مجلس إدارة "مجموعة تدبير للاستثمار"، وهي شركة قابضة خاضعة لإدارة المرشد الإيراني.
كما ترأس في عام 2016 مجلس إدارة شركة "إنتاج وتصدير ريشمك"، ممثلًا عن شركة "ليزينغ إيران والشرق"، وهي شركة فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها.
وتُظهر تحقيقات "إيران إنترناشيونال" أن أربعة أعضاء آخرين في مجالس إدارة صرافة "بارسيان" كانوا أيضًا من المديرين السابقين في بنوك أخرى، مثل بنك تجارة وبنك اقتصاد نوين، ومؤسسات تابعة للبنك المركزي الإيراني.