وأعاد التقرير، الذي نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" بشأن تخزين أجهزة الطرد المركزي الإيرانية في جبل "كلنك كزلا" تحت الأرض طرح سؤال جوهري: ما الجدوى العملية من نشر مزيد من المعلومات حول البرنامج النووي الإيراني في وقت لا توجد فيه إمكانية للتفتيش أو التحقق من صحة هذه المعلومات؟
ونقل التقرير عن مصدر دبلوماسي إسرائيلي رفيع أن البرنامج النووي الإيراني لم يُدمّر بالكامل، وأن طهران نقلت عددًا من أجهزة الطرد المركزي إلى جبل "كلنك كزلا" أو تحتفظ بها هناك، مع الإشارة إلى أنه لا تُجرى حاليًا عمليات تخصيب في هذا الموقع.
ادعاء مهم.. لكن دون إمكانية للتحقق
تكمن أهمية التقرير في أن جبل "كلنك كزلا" يعرّف كموقع لحفظ المعدات النووية الحساسة، إلا أن المصدر الإسرائيلي لم يحدد عدد أجهزة الطرد المركزي أو نوعها أو موعد نقلها أو حالتها التشغيلية، ما يجعل هذه المعلومات، في الظروف الحالية، أقرب إلى تقدير استخباراتي منها إلى حقيقة يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
وتتمثل المشكلة الأساسية في أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تمتلك حاليًا الأدوات اللازمة للتحقق من مثل هذه الادعاءات.
ووفقًا لتقرير الوكالة الصادر في فبراير (شباط ) 2026، توقفت أنشطة التحقق بعد بدء الهجمات العسكرية في يونيو (حزيران) 2025، وغادر جميع المفتشين إيران بحلول نهاية ذلك الشهر لأسباب أمنية.
كما أوضح تقرير الوكالة الصادر في يونيو 2026 أنها، بسبب عدم تمكنها منذ فبراير 2021 من الوصول إلى ورش تصنيع وتجميع واختبار أجهزة الطرد المركزي، لم تعد قادرة على تحديد المخزون الحالي لإيران أو معرفة ما إذا كانت تواصل إنتاج هذه الأجهزة واختبارها.
وفي ظل هذه الظروف، لا تستطيع الوكالة تأكيد وجود أجهزة الطرد المركزي في جبل "كلنك كزلا"، كما لا يمكنها تحديد عدد الأجهزة التي ربما نُقلت أو أُخفيت في مواقع أخرى.
سلوك طهران لم يتغيّر
التحذيرات من اقتراب إيران من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي ليست جديدة.
ففي مارس (آذار) 2025 أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة ارتفع خلال ثلاثة أشهر فقط من 182 كيلوغرامًا إلى 275 كيلوغرامًا، مؤكدًا أن إيران هي الدولة الوحيدة غير النووية التي تخصّب اليورانيوم بهذا المستوى.
وبعد ثلاثة أشهر، تجاوز هذا المخزون 400 كيلوغرام.
وخلال اجتماع مجلس المحافظين في يونيو (حزيران) 2025، قال غروسي إن تراكم هذه الكمية من اليورانيوم عالي التخصيب يحمل تداعيات خطيرة على نظام منع الانتشار النووي.
وقبل توقف عمليات التفتيش، كانت الوكالة قد سجلت أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ثم أعلنت في تقريرها الصادر في يونيو 2026 أن الكمية المؤكدة بلغت 440.9 كيلوغرام، منها 432.9 كيلوغرامًا محفوظة على شكل سادس فلوريد اليورانيوم (UF6).
ولا تعني هذه الأرقام امتلاك قنبلة نووية، لأن تصنيع السلاح يتطلب مزيدًا من التخصيب، وتصميم رأس حربي، واستكمال مراحل تقنية أخرى.
لكن زيادة مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة قلّصت بصورة كبيرة الزمن اللازم للوصول إلى المواد الانشطارية المطلوبة لإنتاج سلاح نووي أو أكثر.
وتبقى المشكلة أن هذه التحذيرات تكررت مرارًا، لكنها لم تؤدِّ إلى تغيير السياسة النووية للجمهورية الإسلامية، ولم تُعد المفتشين إلى إيران.
عقدان من التقارير والقرارات
منذ عام 2003، كان الملف النووي الإيراني محور عشرات تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية والعديد من قرارات مجلس المحافظين.
وخلال السنوات الأخيرة وحدها، طالب المجلس طهران بالتعاون مع الوكالة في قرارات صدرت في يونيو 2022، ويونيو ونوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ويونيو 2025، ويونيو 2026.
وفي عام 2025 خلصت الوكالة إلى أن إيران لم تُعلن عن مواد وأنشطة نووية في ثلاثة مواقع غير معلنة هي: لويزان- شيان، ورامين، وتورقوز آباد.
وبسبب عدم تقديم طهران تفسيرات فنية موثوقة، ما زالت الوكالة لا تعلم ما إذا كانت المواد النووية المرتبطة بهذه المواقع قد استُهلكت أو خُلِطت بمواد معلنة، أم أنها ما زالت خارج الرقابة.
وفي سبتمبر (أيلول) 2023 ألغت طهران اعتماد نحو ثلث أكثر مفتشي الوكالة خبرة، وهو ما وصفه غروسي بأنه «إجراء غير مسبوق».
وبعد عام، أعلن المدير العام للوكالة أن المؤسسة فقدت استمرارية معلوماتها بشأن إنتاج ومخزون أجهزة الطرد المركزي، والدوارات (Rotors)، و"المنافيخ" المعدنية (Bellows)، والماء الثقيل، ومركزات خام اليورانيوم.
تقارير مهمة... لكنها تفتقر إلى قوة الردع
تظل التقارير التي تكشف عن أنشطة محتملة في مواقع مثل "كلنك كزلا" ذات قيمة استخباراتية مهمة، إذ يمكنها كشف مواقع جديدة، ومسارات نقل المعدات، ومستوى حماية المنشآت، والفجوة بين التصريحات الرسمية الإيرانية والواقع الفعلي للبرنامج النووي.
كما تسهم هذه التقارير في بناء إجماع سياسي، وتوجيه العقوبات، وصياغة مطالب تتعلق بعمليات التفتيش.
لكن نشر المعلومات وحده لا يغيّر سياسة النظام الإيراني.
فإذا لم تُفضِ هذه التقارير إلى عمليات تفتيش إلزامية، أو وصول فوري للمفتشين، أو تحديد مهل زمنية واضحة، أو فرض عواقب ملموسة عند عدم التعاون، فإن دورها سيظل مقتصرًا على توثيق الانتهاكات وتكرار التحذيرات.
أفضل فرصة لطهران لكسب الوقت
قد يتحول الغموض الحالي إلى فرصة استثنائية للنظام الإيراني.
ففي غياب المفتشين، تستطيع طهران نقل المعدات، وإخفاء أجهزة الطرد المركزي في مواقع مثل "كلنك كزلا"، وإزالة آثار الأنشطة السابقة، وفي الوقت نفسه استغلال احتمال العودة إلى المفاوضات لتجنب أي تحرك عملي ضدها.
وفي الوقت الراهن، لم يحسم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خياره بين ثلاثة مسارات: التوصل إلى اتفاق جديد، تشديد الضغوط الاقتصادية، توسيع العمل العسكري.
وقد يكون هذا التردد هو ما تحتاجه إيران تحديدًا: مزيد من الوقت في ظل غياب رقابة فعالة.
وفي النهاية، فإن الحديث عن وجود أجهزة طرد مركزي في "كلنك كزلا" لن يكتسب أهمية استراتيجية إلا إذا أدى إلى خطوات عملية قابلة للقياس.
أما إذا لم يحدث ذلك، فإن تكرار التحذير من استمرار قدرة إيران على المضي نحو امتلاك سلاح نووي لن يكون سوى حلقة جديدة في دورة استنزافية تتكرر منذ سنوات: كشف معلومات، وتحذيرات، وقرارات، ومفاوضات، ثم كسب للوقت، من دون احتواء البنية الأساسية للبرنامج النووي بصورة يمكن التحقق منها.