تقليد أعمى.. عندما يحاول قاليباف تقمّص شخصية ترامب

في 29 أبريل (نيسان) 2017، انتهت أول مناظرة للانتخابات الرئاسية الإيرانية، في ذلك الوقت، لكن عبارة واحدة طغت على المشهد السياسي آنذاك: "الأربعة في المائة".

في 29 أبريل (نيسان) 2017، انتهت أول مناظرة للانتخابات الرئاسية الإيرانية، في ذلك الوقت، لكن عبارة واحدة طغت على المشهد السياسي آنذاك: "الأربعة في المائة".
فقد حاول رئيس البرلمان الإيراني الحالي، محمد باقر قاليباف، تقسيم المجتمع إلى فئتين: أربعة في المائة من المتمتعين بالسلطة والثروة، في مقابل ستةٍ وتسعين في المائة من المواطنين الذين، بحسب قوله، لا نصيب لهم من النفوذ أو الثروة. كانت صورةً بسيطة، مثيرة، ومناسبة تمامًا لتصدّر عناوين الأخبار.
بالنسبة إلى متابعي السياسة الأميركية، لم يكن هذا المشهد جديدًا. فقبل أشهر قليلة فقط من ذلك التاريخ، دخل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في ولايته الأولى، معتمدًا نموذجًا مشابهًا: "الشعب المنسي" في مواجهة النخب الحاكمة؛ رجل أعمال قوي في مواجهة السياسيين المحترفين؛ وهجوم مباشر على الخصوم بدل الغرق في تفاصيل البرامج الانتخابية.
وفي ذلك الوقت، كتبت وسائل إعلام إيرانية أن قاليباف كان يقلّد ترامب. فقد حاول، على غراره، أن يقدم نفسه باعتباره رجلاً من خارج المنظومة القائمة، مديرًا جاء ليقلب بنيةً يراها فاشلة.
ولكن كانت هناك مفارقة كبيرة؛ فترامب استطاع الادعاء بأنه جاء من خارج واشنطن، بينما كان قاليباف قد أمضى سنوات قائدًا لقوات الشرطة، ثم رئيسًا لبلدية طهران، وأحد أبرز المسؤولين المخضرمين في إيران. لقد كان يهاجم نظامًا هو نفسه أحد أركانه.
ولم تتوقف أوجه الشبه عند شعار "الأربعة في المائة". فقاليباف، مثل ترامب، أولى اهتمامًا كبيرًا ببناء علامته الشخصية؛ فتارةً يظهر بصفة القائد العسكري، وتارةً الطيار، وأحيانًا المدير "الجهادي"، وأحيانًا أخرى السياسي الذي يرتدي قميصًا غير رسمي وسط الناس.
وكانت الصور تتبدل، لكن الصيغة بقيت ثابتة: استعراض القوة، وإظهار الابتعاد عن المراسم الرسمية، وتقديم نفسه باعتباره "رجل الإنجاز" الذي يعمل بدلاً من الاكتفاء بالكلام.
ومع مرور السنوات، دخل هذا التقليد مرحلة جديدة. فلم يعد قاليباف يكتفي باستعارة شعارات ترامب، بل انتقل إلى تقليد لغته الإعلامية: جمل قصيرة، هجمات شخصية، سخرية، تلميحات لاذعة، استخدام "الميمز"، ورسائل صُممت خصيصًا لتنتشر بسرعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وبدلًا من البيانات المطولة والأسلوب الرسمي المعتاد في إيران، بدأ ينشر رسائل تستهدف ترامب مباشرة، وكأنه يحاول مواجهته بأساليبه هو: إرباك الخصم، والسخرية منه، والسيطرة على دورة الأخبار.
ثم جاءت اللقطة الأخيرة في مسلسل التقليد.
ففي رحلة العودة من مفاوضات سويسرا الأخيرة، وقف قاليباف أمام الصحافيين داخل الطائرة وأجاب عن أسئلتهم، في مشهد يكاد يكون نسخة من الإطار الذي اعتاد ترامب استخدامه داخل الطائرة الرئاسية الأميركية لإجراء أحاديث صحافية مرتجلة، وصناعة الأخبار، وفرض أجندته الإعلامية.
والمشهد نفسه يتكرر: سياسي داخل الطائرة، صحافيون يحيطون به، كاميرات تعمل، وإجابات يُراد لها أن تتحول إلى عناوين رئيسية قبل هبوط الطائرة.
ولكن بقي فارق صغير؛ تلك الطائرة لم تكن "إير فورس وان"، وراكبها أيضًا لم يصبح ترامب، مهما حاول تقليده.
لقد تعلّم قاليباف من ترامب درسًا مهمًا: أن السياسة ليست مجرد تنافس على البرامج، بل هي أيضًا صراع للسيطرة على المشهد.
غير أنه لم يتعلم الدرس الأهم: فالساسة لا يصنعهم الإطار الإعلامي، ولا صور "الميمز"، ولا الملابس غير الرسمية، ولا المؤتمرات الصحافية على ارتفاع آلاف الأمتار.
فترامب، سواء أحبه الناس أم كرهوه، نجح في بناء علامة سياسية خاصة به؛ أما قاليباف، فلا يزال يتنقل بين أدوار القائد العسكري، والطيار، والمدير "الجهادي"، والنسخة الإيرانية من ترامب، دون أن يستقر على هوية سياسية واحدة.