لقد انقطع الوصول إلى الإنترنت في إيران لأشهر طويلة؛ بدأ ذلك أولاً خلال احتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، ثم خلال الحرب الأخيرة في مارس (آذار) الماضي. وأخيرًا، وبعد 88 يومًا من الانقطاع الشامل، أُعيد تشغيله بشكل محدود.
وعلى الرغم من أن الاتصال الدولي أصبح ممكنًا للعديد من مستخدمي الإنترنت الثابت والمنزلي، فإن الشبكة لا تزال تواجه اضطرابات، وعدم استقرار، ورقابة واسعة النطاق. لقد مر أكثر من 100 يوم على بدء القطع الواسع للإنترنت، لكن مسار استعادة الوصول المحدود جاء انتقائيًا وتحت رقابة صارمة.
من الوصول المشروط القائم على التحقق من الهوية، ونقل الأعمال التجارية إلى المنصات المحلية، وإنشاء بطاقات اتصال (سيم كارت) أو إنترنت أبيض للوصول إلى الشبكة، وصولاً إلى آليات أخرى؛ يبدو أن النظام الإيراني يعتزم الحفاظ على هيكل الرقابة متعدد الطبقات والإشراف والتحكم في الاتصالات.
إن الشبكة الوطنية للمعلومات، والبوابات المركزية للاتصال بالإنترنت العالمي، والإعدادات المحكومة لشبكات الهاتف المحمول، وأنظمة التحقق من الهوية، وآليات تسجيل الأجهزة، كلها أدوات تتيح للنظام تقييد أو قطع الوصول العام إلى الإنترنت العالمي، في حين يحافظ على قنوات اتصال مستقرة لمجموعات مختارة.
ولهذا السبب، حظيت تكنولوجيا الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية (D2C) باهتمام متزايد من الإيرانيين. ويأمل الكثيرون أن يوفر إمكان الاتصال المباشر للهاتف المحمول بالقمر الصناعي- دون الحاجة إلى أطباق استقبال، أو أجهزة طرفية، أو مشغل محلي، أو بوابات خاضعة لسيطرة الحكومة- سبيلاً للتحرر مما يعتبرونه "السجن الرقمي" للنظام الإيراني.
وقد بلغت أهمية هذا الموضوع حدًا جعل وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تجري محادثات مع شركة "إسبايس إكس" حول تفعيل خدمة الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية للمواطنين الإيرانيين. وذكرت وكالة "رويترز" للأنباء أن "إسبايس إكس" طلبت مبلغًا يصل إلى 500 مليون دولار لإطلاق هذه الخدمة، و100 مليون دولار شهريًا لتشغيلها.
ولكن السؤال الأساسي هو: هل يمكن للإصدارات الحالية من تكنولوجيا الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية أن تلبي مثل هذه التوقعات على مستوى مساحة إيران؟
الإجابة حاليًا هي "لا". فالأنظمة الحالية ذات قدرة استيعابية محدودة، وتعد ضحية سهلة للتشويش والتداخل في الموجات اللاسلكية، كما تنطوي على مخاطر للمواطنين الذين قد يتم كشف هوياتهم عبر نظام تسجيل الأجهزة وشبكة الهاتف المحمول في إيران.
ومع ذلك، تظل الأسئلة الجوهرية قائمة: هل يمكن للجيل الحالي من تكنولوجيا "دايركت تو سيل" (Direct-to-Cell) أن يلبي حقًا هذه التوقعات على نطاق واسع في إيران؟ وهل تظل هذه التكنولوجيا مجرد أداة اتصال محدودة وحالات طوارئ، أم يمكن أن تتحول إلى مخرج قابل للتوسع لملايين المستخدمين الإيرانيين؟ وإذا عملت الأجيال القادمة من هذه التكنولوجيا دون الاعتماد على أبراج التغطية والمشغلين المحليين، فهل سينهار الجدار الرقمي لإيران؟
التبعية لمشغلي الهاتف المحمول وسيناريو الشريحة الإلكترونية (eSIM) الخارجية
في خدمة "ستارلينك" التقليدية، يتصل القمر الصناعي بجهاز طرفي أرضي مخصص (وهو طبق التقاط إشارة الأقمار الصناعية، الذي يتعين على المستخدمين توفيره، وتركيبه، وصيانته، وإخفاؤه عن أعين السلطات)، ثم يتصل الهاتف المحمول بمودم "ستارلينك" عبر "الواي فاي".
أما تكنولوجيا "دايركت تو سيل"، فقائمة على فكرة مختلفة؛ حيث يلعب الهاتف المحمول نفسه دور المستقبل والمرسل للاتصال الفضائي. والإصدارات الحالية من هذه التكنولوجيا ليست في الغالب أنظمة إنترنت مستقلة عبر الأقمار الصناعية، بل هي مكملة لتغطية شبكة مشغلي الهواتف المحمولة في كل منطقة، وتحول القمر الصناعي عمليًا إلى برج اتصالات فضائي مهمته الأساسية توفير التغطية في المناطق التي تفتقر إلى الإرسال أو تعاني من تغطية ضعيفة.
إن استخدام ترددات مستقلة في النطاق (S-band) ونشر الأقمار الصناعية في مدار منخفض جدًا حول الأرض (VLEO)- أي أكثر قربًا من سطح الأرض- يعد من المسارات التي يمكن أن تجعل تكنولوجيا "دايركت تو سيل" أكثر عملية لحل مشكلة إيران.
وفي هذا السيناريو، يقوم المشغلون الشركاء لستارلينك مثل (T-Mobile) أو (Kyivstar) أو (One NZ) في نيوزيلندا، بإعلان إيران منطقة تفتقر إلى التغطية الأرضية ووضعها تحت تغطية خدماتهم. من الناحية السياسية والفنية، يعد هذا النموذج هو الأقرب لما يتوقعه الكثير من المواطنين الإيرانيين من هذه التكنولوجيا. وفي هذه الحالة، فإن الهاتف المحمول الذي يستخدم بطاقة اتصال تقليدية أو شريحة إلكترونية (eSIM) تابعة لأحد هؤلاء المشغلين، يمكنه الاتصال من داخل إيران بالأقمار الصناعية من الجيل الجديد لشركة "إسبايس إكس". وتشير التقارير إلى أن نحو 700 قمر صناعي من هذا النوع موجودة حاليًا في المدار.
ولكن تحقيق هذا السيناريو لا يعتمد فقط على إرادة أو قرار "إسبايس إكس"؛ بل يتطلب سلسلة من الاشتراطات تشمل الطيف الترددي، والتراخيص التنظيمية، والهواتف المتوافقة، والمودمات، والهوائيات، وقدرة إرسال الإشارات، والرقائق الإلكترونية التي تدعم نطاقات الأقمار الصناعية الجديدة. وتلعب شركات مثل "كوالكوم، وميدياتيك، وآبل، وسامسونغ، وغوغل" دورًا حاسمًا في هذا المسار؛ فإذا لم تكن المكونات الصلبة (الأجهزة) للهواتف المحمولة جاهزة، فلن تتحول حتى أكثر المجموعات الفضائية تقدمًا إلى اتصال عملي للمستخدمين داخل إيران.
وحتى في هذا السيناريو المتفائل، تظل هناك ثلاث عقبات رئيسية: السعة المحدودة، واحتمال تداخل الموجات اللاسلكية، وخطر تحديد هويات المستخدمين عبر نظام تسجيل الأجهزة ونظام "همتا".
محدودية السعة في المناطق المكتظة بالسكان
العقبة الجدية الأولى أمام توسيع تكنولوجيا "دايركت تو سيل" في إيران هي سعتها الاستيعابية. فهذه التكنولوجيا لم تُصمم لتكون بديلاً للإنترنت في المدن، بل تهدف إلى توفير حد أدنى من الاتصال في المناطق التي تفتقر إلى التغطية الأرضية أو تكون التغطية فيها ضعيفة.
لكن القضية في إيران لا تقتصر على اتصال بضعة مستخدمين على الطرق أو في المناطق الجبلية، بل تتعلق بقطع الاتصال في مدن قد يحتاج فيها مئات الآلاف من الأشخاص في الوقت نفسه إلى تطبيقات المراسلة، والمكالمات الصوتية والمرئية، والأخبار، والخرائط، والبريد الإلكتروني، والخدمات المالية، وإمكانية إرسال الصور ومقاطع الفيديو.
وفي بعض الاختبارات الأولية، كان عرض النطاق الترددي المسجل للاتصال الواحد نحو 14 ميغابت في الثانية. لكن هذا الرقم لا ينبغي مقارنته بسرعات الإنترنت في المدن؛ فعمليًا، يجب تقسيم هذا النطاق الترددي المحدود بين جميع المستخدمين المتواجدين في نطاق تغطية كل قمر صناعي.
ولفهم أبعاد المشكلة بشكل أفضل، في مدينة مثل طهران، إذا احتاج 1 في المائة فقط من السكان في نفس الوقت إلى اتصال بدائي للغاية بسرعة 1 ميغابت في الثانية، فإن السعة المطلوبة للشبكة ستكون حوالي 99 غيغابيت في الثانية. هذا الرقم، مقارنة بالسعة الحالية لكل شعاع نشط من تكنولوجيا "دايركت تو سيل" (والتي تتراوح بين 4 و17 ميغابت في الثانية)، وحتى مقارنة بالرؤية المتفائلة التي تتطلع لـ 150 ميغابت في الثانية في الأجيال القادمة، يظهر فجوة تتضاعف مئات المرات.
تداخل الموجات اللاسلكية الناجم عن الإشارات الأرضية
حتى لو تمكنت تكنولوجيا "دايركت تو سيل" من التغلب على مشاكل السعة والتبعية للمشغلين المحليين، فإنها ستظل تواجه عقبة تعود جذورها إلى فيزياء الموجات اللاسلكية. لإجراء الاتصال، يجب على الهاتف المحمول استقبال إشارة ضعيفة للغاية من قمر صناعي يتحرك على بعد مئات الكيلومترات فوق الأرض، في حين أنه يعمل في نفس الوقت في بيئة مليئة بأبراج الاتصالات، وأجهزة الإرسال الأرضية، والإشارات المحلية الأكثر قوة بكثير.
في مثل هذه الظروف، تحدد النسبة بين الإشارة المطلوبة وبين الضوضاء والتداخل البيئي ما إذا كان المستقبل قادرًا أساسًا على رصد إشارة القمر الصناعي أم لا. فبرج الاتصالات التابع لشركات مثل "همراه أول" أو "إيرانسل" والموجود بالقرب من المستخدم، قد يرسل إشارة أقوى بكثير من إشارة القمر الصناعي، لدرجة تجعل مستقبل الهاتف عاجزًا عمليًا عن رصد الإشارة الأضعف أو إقامة اتصال مستقر معها.
وفي هذا الوضع، لا تحتاج الحكومة لترصد القمر الصناعي واستهدافه؛ بل يكفيها استخدام الأبراج وأجهزة الإرسال والتحكم في طاقة شبكة الهاتف المحمول لجعل البيئة اللاسلكية المحيطة بالمستخدم غير مناسبة للاتصال الفضائي.
وبالنسبة لإيران، يمكن أن يكون هذا النوع من التشويش سريعًا، وموضعيًا، ومنخفض التكلفة. ومِن ثمّ حتى لو كان القمر الصناعي خارج نطاق وصول الحكومة، فإن هاتف المستخدم لا يزال على الأرض وفي بيئة يمكن التلاعب بها. قد تقلل الأجيال القادمة المزودة بطيف ترددي مخصص ومودمات وبروتوكولات أكثر تقدمًا ومقاومة جزءًا من هذه الحساسية، لكنها لن تقضي عليها تمامًا.
تسجيل الأجهزة وتحديد هويات المستخدمين
لكن السؤال الأمني الأكثر أهمية هو: إلى أي مدى يمكن تحديد هوية المستخدم داخل إيران عند استخدام تكنولوجيا "دايركت تو سيل"؟
في إيران، لا يعد الهاتف المحمول مجرد أداة اتصال؛ فبطاقة "السيم كارد"، وهوية المشترك، ومعرّف الجهاز، والهوية الحقيقية للمستخدم مرتبطة ببعضها البعض في عدة طبقات. يحتوي كل هاتف محمول على معرّف صلب فريد يُعرف بـ (IMEI)، والذي يمثل هوية الجهاز في شبكات الهاتف المحمول. ويمكن لنظام "همتا" ربط هذا المعرّف ببطاقة السيم كارت، وسجل التفعيل، والملكية، وفي كثير من الحالات، بالهوية الحقيقية للمستخدم.
وفي ظل هذه الظروف، فإن استخدام "سيم كارد" أو شريحة إلكترونية (eSIM) خارجية للاتصال الفضائي لا يعني بالضرورة بقاء المستخدم مجهول الهوية. فإذا حاول هاتف ذو معرّف (IMEI) معروف فجأة الاتصال عبر مسار فضائي غير مصرح به وبمعرّف مشغل خارجي، يمكن أن يتحول هذا السلوك إلى نمط غير عادي وقابل للرصد.
إن الجمع بين نظام تسجيل الأجهزة، وبيانات المشغلين، وقواعد بيانات "السيم كارد"، وأدوات المراقبة المحلية يمكن أن يحول هذا الاتصال إلى خطر أمني. وبناءً على ذلك، يكمن السؤال الرئيسي في كيفية استخدام هذه التكنولوجيا دون الكشف عن هوية المستخدم، وموقعه الجغرافي، ونمطه السلوكي.
فرصة استراتيجية وليست حلاً فوريًا
يجب التعامل مع تكنولوجيا "دايركت تو سيل" بجدية، ولكن لا ينبغي المبالغة في قدراتها. إن جاذبية هذه التكنولوجيا لإيران واضحة: إذا تمكن هاتف محمول عادي يومًا ما من الاتصال مباشرة بالقمر الصناعي دون الحاجة إلى طبق استقبال، أو جهاز طرفي منفصل، أو مشغل محلي، أو بوابات خاضعة لسيطرة النظام، فسيتم تحدي إحدى الركائز الأساسية لهيكل السيطرة على الإنترنت في إيران.
لكن ذلك اليوم لم يأتِ بعد. فالإصدارات الحالية التي يتم تطويرها مصممة في المقام الأول لتغطية المناطق التي تفتقر إلى الإرسال، وليس لاستبدال إنترنت المدن لعشرات الملايين من المستخدمين. إن السعة المحدودة، واحتمال تداخل الموجات، وخطر انكشاف وتحديد هويات المستخدمين يجعل هذه التكنولوجيا عاجزة في الوقت الحالي عن التحول إلى مسار عام وقابل للتوسع للالتفاف على قطع الإنترنت في إيران. وتكمن قيمتها الحالية أساسًا في دورها كأداة للطوارئ؛ أداة لإرسال الرسائل، أو مشاركة الموقع، أو إرسال التحذيرات، أو الحفاظ على اتصال قصير المدى في أوقات الأزمات.
وإذا تمكن الجيل القادم من الأقمار الصناعية من توفير سعة أكبر، وطيف ترددي مستقل، وهواتف متوافقة، وأمن للمستخدمين، وقواعد حماية عالمية في آن واحد، فقد يكون المستقبل مختلفًا. ولكن حتى ذلك الحين، فإن تكنولوجيا الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية تعد نافذة مهمة للمستقبل، أكثر من كونها حلاً لليوم للتحرر من السجن الرقمي في إيران.